محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
214
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
عيل صبرهم بكوا وشكوا ؛ فينشأ اللّه سبحانه سحابة سوداء مظلمة ؛ فيرجون الفرج ؛ فيرفعون رؤوسهم إليها ؛ فتمطرهم حجارة عظاما ؛ فتزداد النار بها التهابا . وقال بعض أهل العلم : ليس في قوله وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ دليل على أنّها لا يكون لها وقود غيرهما ، ولا في قوله : أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ دليل على أنّها لم تعدّ لغيرهم . قال اللّه تعالى : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ولكنّ العرب قد تكتفي في الشيء ببعض أوصافه ، كما تقول : فلان يبيع الخزّ ، ولا يدلّ على أنّه لا يبيع غيره ؛ وهذا المثال لا يناسب ما ذكره اللّه أنّ وقودها الناس والحجارة ؛ وهو كقول القائل : طهوركم الماء ؛ فيدلّ على أنّ غير الماء لا يكون طهورا . وقوله : أُعِدَّتْ أي خلقت وهيّأت ، وفيه دليل ( 91 آ ) على أنّها مخلوقة الآن . الكلام فإن قيل : في قوله أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ دليل على أنّ غير الكافر لا يدخلها ، كما في قوله : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ دليل على أنّ غير المتّقي لا يدخل الجنّة . قال المتكلّم الأشعري : معناه أنّها معدّة لأقوام وقع في المعلوم أنّهم يكفرون ، فيخلدون في النار ؛ وقد ورد في الأخبار أنّ قوما من العصاة يدخلون النار ويخرجون منها ؛ وقد قال تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ثمّ قال : يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا فالنار إنّما أعدّت في الحقيقة لمن كان مثواه ومصير أمره النار ، كما قال تعالى : إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً لِلطَّاغِينَ مَآباً . وقال المتكلّم المعتزلي : إنّها تعدّ للكافر الذي استوجبها ، وقبل الكفر وخلق الكافر لا يجوز أن تكون موجودة معدّة ؛ وقال : من دخلها من أهل الكبائر لم يخرج منها ؛ فإنّه وإن لم يكن كافرا مطلقا لم يكن أيضا مؤمنا مطلقا ؛ وفي الآخرة إمّا جنّة أو نار ؛ فإذا دخل النار فهو من أهل النار ؛ فلم يكن من أهل الجنّة إلّا أنّه يخفّف عنه العذاب بإسلامه . وقال المتكلّم الوعيدي : صاحب الكبيرة كافر والنار أعدّت للكافرين . وقال المتكلّم المرجئ : صاحب الكبيرة إذا كان مسلما لم يدخل [ النار ] قطّ . هذا مقام حيرة المتكلّمين كما ترى ، ولو عرفوا مواقع اليقين بالرجوع إلى الصادقين بيّنوا